ابن حزم

554

الاحكام

قال أبو محمد : هذا كل ما شغبوا به ، وكله لا حجة لهم في شئ منه ، على ما تبين إن شاء الله عز وجل . أما دعواهم أن المدينة أفضل البلاد ، فدعوى قد بينا إبطالها في غير هذا المكان ، وبينا أن مكة أفضل البلاد بنص القرآن ، والسنن الثابتة ، وأقوال الصحابة رضي الله عنهم ، وليس هذا مكان الكلام في ذلك ، لكن نقول لهم : هبكم أنه كما تقولون ، وليس كذلك ، فأي برهان في كونها أفضل البلاد على أن إجماع أهلها هو الاجماع ؟ ألا يستحي من يدري أن كلامه مكتوب وأنه محاسب به بين يدي الله عز وجل ، من أن يموه هذا التمويه البارد ، ونحن نقول : إن مكة أفضل البلاد ، وليس ذلك بموجب اتباع أهلها دون غيرهم ، ولا أن إجماعهم دون إجماع غيرهم ، ولا أنهم حجة على غيرهم ، إذ ليس فضل البقعة موجبا لشئ من ذلك . وأيضا فإنه لا يختلف مسلمان في أنه قد كان في المدينة منافقون ، وهم شر الخلق ، قال تعالى : * ( ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ) * وقال تعالى : * ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) * . وكان فيها فساق كما في سائر البلاد ، وزناة وكذابون وشربة خمور وقذفة كما في سائر البلاد ولا فرق ، وأهلها اليوم - وإنا لله وإنا إليه راجعون - غلاة الروافض الكفرة ، أفترون لهؤلاء فضلا يوجب اتباعهم من أجل سكناهم المدينة ؟ فمن قولهم : لا لكن إنما توجب الحجة بالفضلاء غير هم من أهل المدينة ، قلنا لهم : ومن أين خصصتم فضلاء المدينة دون فضلاء غيرهم من البلاد ؟ وهذا ما لا سبيل إلى وجود برهان على صحته أبدا . وأيضا فالمدينة فضلها باق بحسبه ، كما كان لم يتغير ولا يتغير أبدا ، وأهلها أفسق الناس ، فقد بطل أن تكون للبقعة حكم في وجوب اتباع أهلها ، وصح أن الفاضل فاضل حيث كان ، والفاسق فاسق حيث كان . وأما قولهم : إن أهل المدينة أعلم بأحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن سواهم ، فهو كذب وباطل ، وإنما الحق أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم العالمون بأحكامه صلى الله عليه وسلم سواء بقي منهم من بقي بالمدينة أخرج منهم من خرج ، لم يزد الباقي بالمدينة بقاؤه فيها درجة في علمه وفضله ، ولاحظ